
كما يمكنك الانضمام لفريق عمل موقع العرب 24 وتشارك معنا بمقالاتك
كتب: محمد عبدالعزيز
في قلب مكة المكرمة، في حي سوق الليل وبجوار إحدى الجبال، وُلد طفل قدر له أن يكون صوته علامةً مضيئة في هذه المدينة المباركة. كان ذلك الطفل عباس مقادمي، الذي أصبح لاحقًا أحد أعمدة قراءة القرآن في الحجاز والعالم الإسلامي.
نشأ عباس في أجواء روحانية، حيث ترتفع أصوات المآذن خمس مرات يوميًا، وتتهلل قلوب الناس بالحب والإقبال على البيت العتيق. وكان عباس طفلاً مثل بقية الأطفال، يملأ البيت فرحًا وضحكًا، تتردد خطواته الصغيرة في أرجاء الحي، وتكتشف عيناه العالم بفضول وبراءة. لكن الأقدار كانت تخبئ له اختبارًا عظيمًا سيصقل روحه ويرسم له دربًا مختلفًا.
في عام 1345 هـ، وهو لم يزل في الثالثة من عمره، داهمه مرض الجدري الشرس، وبعد أيام من الحمى والألم، أطفأت سحابة المرض نور عينيه إلى الأبد. عمّ السكون المنزل، وتساءل والده المكلوم: كيف سيجد طفله طريقه في هذه الحياة؟ لكنه كان رجلاً مؤمنًا، يرى في كل محنة منحة خفية، فأحتسب ابنه عند الله، ورفع يديه إلى السماء طالبًا أن يهب الله قلبه نورًا يبصر به ما لا تراه الأعين. ومن تلك اللحظة، قرر أن يوجه ابنه لأعظم رفيق: القرآن الكريم.
لم يكن فقدان البصر حاجزًا أمام عباس، بل كان دافعًا له لإشعال شعلة العلم في قلبه. بدأ رحلته اليومية في حلقات العلم بالمسجد الحرام، يقوده والده بين المصلين والطائفين إلى كبار المشايخ. كان عباس مستمعًا فطنًا، تحفظ ذاكرته كل كلمة وحركة، ويقف مشايخه عاجزين أمام موهبة ربانية فريدة، إذ يمتلك قلبه بصيرة تفوق إبصار الكثيرين.
كبر الطفل وكبر صوته، حتى بدأ يتردد في أرجاء الحرم المكي الشريف، حيث كان المصلون والمعتمرون يتوقفون لسماع التلاوة الحجازية الأصيلة التي خرجت من حنجرته. وفي عام 1371 هـ، أصبح صوته جزءًا من تاريخ الإذاعة السعودية، كأول قارئ يذاع عبر إذاعة المملكة العربية السعودية بعد افتتاحها بثلاثة أعوام، ليصبح صوته ليس محليًا فحسب، بل صوتًا وطنيًا يحمل رسالة القرآن إلى كل مكان.
امتدت رسالته إلى الهند، حيث أمضى أربع سنوات يعلّم القرآن ويتلوه عبر الإذاعة، مسطرًا بصمة طيبة في قلوب المسلمين هناك. كما عمل معلمًا في مدارس الفلاح بمكة وجدة، ليس فقط لتعليم الحروف والأحكام، بل لغرس الأخلاق والتقوى في نفوس طلابه.
كان عباس زاهدًا وورعًا، فرفض في البداية تسجيل تلاواته خشية دخول شيء من الرياء أو حب الظهور، لكنه قبل لاحقًا حفاظًا على أسلوبه الفريد ونقله للأجيال القادمة. لقد كانت حياته كلها للقرآن، وأثبت أن فقدان البصر ليس عائقًا، بل دافعًا لترك أثر خالد.
شهد له كبار أساطير القراءة في العالم الإسلامي. قال عنه الشيخ محمد محمود الطبلاوي: "هو الإنسان الخليجي الوحيد الذي يقرأ بصوت شجي مجوّد يعطي كل حرف حقه". ووصفه الشيخ عبد الباسط عبد الصمد بأنه يمتلك أسلوبًا فريدًا في المقامات، وأستاذ في القراءة الحجازية، مؤكدًا أن مدرسة عباس مقادمي قائمة على الإخلاص والإتقان والأسلوب الحجازي الأصيل الذي أصبح رمزه البارز.
وفي السابع والعشرين من رجب 1411 هـ، صمت الصوت الذي ملأ الدنيا بآيات الله، عن عمر يناهز 69 عامًا. خسر الحجاز أحد أعمدته في قراءة القرآن، لكن إرثه لم يمت، فصوته المسجل ما زال يتردد في البيوت والإذاعات، وطلابه يحملون علمه وأسلوبه، وتروى قصته كمثال خالد على أن الإرادة والإيمان قادران على تحويل أعظم الآلام إلى أعظم الأمجاد.
لقد رحل الجسد، وبقي صوت من نور، منارة خالدة في تاريخ قراءة القرآن الكريم.
تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة